محمد حسين الذهبي

453

التفسير والمفسرون

ولكن ابن المنير السنى ، يريد أن يحمل أخذ الميثاق الذي في سورة الحديد ، على المعنى الذي ارتضاه للفظ العهد في سورة الأعراف ؛ ولهذا نراه يرد على الزمخشري ويشدد عليه النكير فيقول : وما عليه أن يحمل أخذ الميثاق على ما بينه اللّه في آية غير هذه ، إذ يقول تعالى « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » ولقد يريبني منه إنكاره لكثير من مثل هذه الظواهر ، والعدول بها عن حقائقها مع إمكانها عقلا ، ووقوعها بالسمع قطعا ، إلى ما يتوهمه من تمثيل يسميه تخييلا . فالقاعدة التي تعتمد عليها كي لا يضرك ما يومئ إليه : أن كل ما جوزه العقل وورد بوقوعه السمع ، وجب حمله على ظاهره . واللّه الموفق ا ه « 1 » . ومسألة التمثيل والتخييل يستعملها الزمخشري بحرية أوسع فيما ورد من الأحاديث التي يبدو ظاهرها مستغربا ، وأسوق إليك مثالا أتى به الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 36 ) من سورة آل عمران « وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ » قال رحمه اللّه ( وما يروون من الحديث « ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها » فاللّه أعلم بصحته ، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها ، فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما ، كقوله تعالى : « . . . لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 2 » . واستهلاله صارخا من مسه ، تخييل وتصوير لطمعه فيه ، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ، ويقول : هذا ممن أغويه . ونحوه من التخييل ، قول ابن الرومي : لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد

--> ( 1 ) هامش الكشاف ج 2 ص 434 ( 2 ) في الآيتين ( 82 و 83 ) من صورة ص